القرطبي
91
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
السلام ، لقوله : ( فتمثل لها ) أي تمثل الملك لها . ( بشرا ) تفسير أو حال . ( سويا ) أي مستوي الخلقة ، لأنها لم تكن لتطيق أو تنظر جبريل في صورته . ولما رأت رجلا حسن الصورة في صورة البشر قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء ف ( - قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا ) أي ممن يتقي الله . البكالي : فنكص جبريل عليه السلام فزعا من ذكر الرحمن تبارك وتعالى . الثعلبي : كان رجلا صالحا فتعوذت به تعجبا . وقيل : تقي فعيل بمعنى مفعول أي كنت ممن يتقى منه . في البخاري قال أبو وائل : علمت مريم أن التقي ذو نهية حين قالت : " إن كنت تقيا " . وقيل : تقي اسم فاجر معروف في ذلك الوقت قاله وهب بن منبه ، حكاه مكي وغيره ابن عطية : وهو ضعيف ذاهب مع التخرص . فقال لها جبريل عليه السلام : ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا ) جعل الهبة من قبله لما كان الاعلام بها من قبله . وقرأ ورش عن نافع " ليهب لك " على معنى أرسلني الله ليهب لك . وقيل : معنى " لأهب " بالهمز محمول على المعنى ، أي قال : أرسلته لأهب لك . ويحتمل " ليهب " بلا همز أن يكون بمعنى المهموز ثم خففت الهمزة . فلما سمعت مريم ذلك من قوله استفهمت عن طريقه ف ( - قالت أنى يكون لي غلاما ولم يمسسني بشر ) أي بنكاح . ( ولم أك بغيا ) أي زانية . وذكرت هذا تأكيدا ، لان قولها لم يمسسني بشر يشمل الحلال والحرام . وقيل : ما استبعدت من قدرة الله تعالى شيئا ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد ؟ من قبل الزوج في المستقبل أم يخلقه الله ابتداء ؟ وروي أن جبريل عليه السلام حين قال لها هذه المقالة نفخ في جيب درعها وكمها ، قاله ابن جريج . ابن عباس : أخذ جبريل عليه السلام ردن قميصها بإصبعه فنفخ فيه فحملت من ساعتها بعيسى . قال الطبري : وزعمت النصارى أن مريم حملت بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة ، وأن عيسى عاش إلى أن رفع اثنتين وثلاثين سنة وأياما ، وأن مريم بقيت بعد رفعه ست سنين ، فكان جميع عمرها نيفا ( 1 ) وخمسين سنة . وقوله : ( ولنجعله ) متعلق بمحذوف ، أي ونخلقه لنجعله : ( آية ) دلالة على قدرتنا عجيبة ( ورحمة ) [ أي ] ( 2 ) لمن آمن به . ( وكان أمرا مقضيا ) مقدرا ( 3 ) في اللوح مسطورا .
--> ( 1 ) في ج : ستا وخمسين . ( 2 ) من ك . ( 3 ) في ج : مقدورا .